Politics

ومضات عن الأغنية الكردفانية (4) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش

“مكتول هواك يا … كردفان مكتول هواك … انا من زمان شوفي القليب نابع حنان مكتول هواك رغم اللكان رغم الضنى وهجر الحبيب في كردفان” “الشاعر عبد الجبار عبد الرحمن” عندما نتحدث عن كردفان إنما نعني تلك الرقعة الجغرافية الواسعة التي تمتد من جبال النوبة جنوباً حتى الصحراء الكبرى شمالاً. وتجاور كردفان ولايات دارفور غرباً والنيل الأبيض والخرطوم شرقاً. وهي في الغالب أرض سهلية منبسطة، فيما عدا جبال النوبة في جنوبها، وبعض الجبال المتفرقة في بعض أنحائها. كردفان فيها المناطق الرملية والطينية، وبها الماء والخضرة والوجه الحسن، وهي كما يقال عنها “كردفان الغرة أم خيراً جوة وبرا”. وهي في واقع الأمر تضم تضاريس جغرافية متنوعة تناسب نشاطات بشرية وتراثية كثيرة ومثيرة. هذه المنطقة جذبت مجموعات سكانية من مختلف بقاع السودان ومن خارجه على حد سواء. هذا التنوع الطبغرافي أنتج تجانساً عظيماً من جوانب عديدة، من ضمنها الحراك الثقافي المتمثل في الشعر الغنائي والشعبي والإيقاعات الموسيقية التي ترتبط بشكل وثيق بالنشاط البشري في دار كردفان. مجمل القول إن كردفان بتنوعها الجغرافي وانسجام مجتمعها، وتنوع بيئاتها وثقافاتها وأعراقها، إن صحت العبارة، تظل مصدراً للإلهام والإبداع والتفرد. ولعل الأبيات التي في مستهل هذه الحقلة تثبت صحة ما نقول؛ لأن شاعرها الأستاذ عبد الجبار عبد الرحمن ليس في الأصل من أهل كردفان، بل هو من مواليد منطقة الجيلي، شمال الخرطوم وقد إلى كردفان للعمل بالتدريس فأسره جمال كردفان حتى أنشد قائلاً: أسير غزال فوق القويز كلام غزل معسول لذيذ دمعات عتاب من زول عزيز سالت بحر سقت القليب في كردفان كردفان هي، بلا أدنى شك، من أغنى مناطق السودان بالتراث المطرب؛ نظراً لتعدد الأنشطة البشرية فيها، مع وجود عدد كبير من القبائل والمجموعات البشرية، التي منها جماعات تمتهن الرعي، وتتنوع ما بين أبالة في الشمال وبقارة في الجنوب والجنوب الغربي، وأخرى تعمل بالزراعة في الوسط والشرق، وهنالك القبائل البدوية الراحلة، وهنالك مجموعات مستقرة في المدن والقرى الكبيرة وتعمل في مجال التجارة والوظائف العامة. هذا التنوع أتاح مساحة لتشكيل الوجدان الكردفاني، وأخرج للناس نماذج تراثية وثقافية وغنائية متنوعة من حيث ضروب الفن والغناء والشعر والمفردات والإيقاعات والرقصات وكل تلك تتميز بالقدرة العالية على التطريب. علاوة على ما ذكر أعلاه، فإن التباين في سبل كسب العيش وطرائق الحياة بشكل عام قد هيأ لأهل كردفان وأتاح لهم ميزة المزاج المشترك في القيمة الإيقاعية لتراث المنطقة. وفي واقع الأمر تتفرد كردفان وتتميز بإيقاعات شتى منها الجراري، وهو قائم على حركة الجمال أو الإبل، ولذلك يوجد في منطقة شمال وغرب كردفان حيث يوجد مجتمع “الأبالة”، أي رعاة الإبل. وهنالك إيقاع المردوم هو ينتشر في المنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية، وهو قائم حركة الثيران؛ خاصة ما يعرف؛ بأم “جاعورة” أي أنه يرتبط برعاة الأبقار. وهنالك أيضاً إيقاعات الطنبور والسيرة أو “الدلوكة” والهسيس والشقليب وتوجد كل هذه الضروب في المناطق الزراعية والمستقرة مثل دار الجوامعة والبديرية ومنطقة بارا. ومن أقدم الأغنيات الكردفانية التي عرفها الناس من أغاني السيرة أغنية خال فاطنة التي يعود تاريخها على عام 1821 تقريبا وقد تغنى بها الفنان الراحل الكبير عبد الكريم الكابلي ومن كلماتها: يسلم لي خال فاطنة ليهم بلالي البدرج العاطلة يسلم لي خال فاطنه عاشميق حبل الوجج انا أخوي مقلام الحجج خال فاطنه يا خريف الرتوع أبشقه قمر السبوع فوق بيتو بسند الجوع يا قشاش الدموع خال فاطنه الفن الكردفاني هو الأقرب إلى وجدان أهل السودان، فالشعر الذي لا يرتبط بالتراث لا طعم له ولا لـون، كما أن الشعـوب لا تنسجمُ إلا مع فنونها وتراثها، واضعين في الاعتبار أن كردفان الكبرى هي بوتقة انصهار لكل أهل السودان، ولهذا فإنهم يجمعون على تذوق الغناء الكردفاني ويرددونه ويتجابون معه بشكل ملفت للنظر. لكن هل هنالك فعلا ما يعرف بالأغنية الكردفانية، أم أنها امتداد للغناء السوداني الذي خرج من رحم أم درمان وعرف بأغنية الوسط التي بدأت بغناء الطمبارة ثم أغنية الحقيبة ومن بعدها الأغنية الحديثة والغناء الشعبي؟ وما هي الخصائص المميزة للأغنية الكردفانية، وما هي مواضيع الشعر الغنائي الكردفاني، ومن هم رواد الأغنية والموسيقية الكردفانية، إن وجدت؟ يقول أحد الكتاب: “كردفان لديها إيقاعات ومفردات تعبر عن قيم وتراث وثقافة أهلها. وهذه الأغنيات تتميز بالمفردات البسيطة كبساطة أهل كردفان وطيبتهم وتترجم أحاسيسهم المرهفة، وتعبر عن وجدانهم الصافي النقي. وقد أشتهر الفن الكردفاني لأنه مستمد من التراث، فردده الناس لسهولته وحلاوة مفرداته وإيقاعاته المحببة التي صرنا نرددها في كل المناسبات.” سنحاول عبر هذه الومضات تسليط الضوء على الأغنية الكردفانية والعوامل الجغرافية والبشرية والفنية التي أسهمت في بروزها وانتشارها والمكانة التي حظيت بها في ساحة الفن والغناء السوداني. وسوف نتطرق أيضاً للشعراء الذين كتبوا لنا بعض الأغنيات ذات الطابع الكردفاني ووجدت قبولاً وانتشاراً في الأوساط الفنية والغنائية.

gush1981@hotmail.com

Supply hyperlink

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close