Politics

عندما يكون العطاء دينا .. بقلم: شوقي بدري – سودانايل

 في سنة 1982 دخلت قاعة الانتظار في مطار الدوحة قبل اقلاع الطائرة المتوجهة الى الخرطوم . كنت ابحث عن مقعدا خالي وسط بحر المسافرين  . سمعت صوتا يقول يا شوقي الكرسي ده فاضي . وكان الكلمات تأتي من ارتفاع مترين  وتلك قامة المتحدث الذي جلس بهدوء بعد أن اتجهت اليه , جلست بجانب المتحدث وبدأنا الحديث عن ،، الحلة والصحاب  بطريقة عفوية وحتى بدون المصافحة . أظن أن عقلنا الباطني كان يرفض سنين الفراق الطويلة ، ويحتفظ ب،، تقويم ،، الطفولة واحساس علينا أن نواصل من  حيث ما توقفنا. سألنا احد السودانيين …… انتو ليكم كم سنة ما اتلاقيتوا . ضحكنا وقلت له  زي عشرين سنة ….. طيب ليه ما اتقالدتو ؟  بتتكلموا زي كانو   اتفارقتو قبل  شوية . قلت له ….. انحنا لسه فاكرين نفسنا تحت اللمبة في العباسية .

 صديقي وزميل الطفولة البحر صيد السمك والدافوري عبد الله البشير سكن في السروجية احد حارات  العباسية المجاورة للسردارية من الجنوب تليها فنقر وعتالة وعباسية تحت من الشرق فريق فلاتة وتامة من الغرب.  انقطع تواصلنا الذي كان يوميا عندما رحلنا من السردارية الى العباسية فوق ،شمال ميدان الربيع غرب الامراء وشمال فريق عمايا وجنوب ميدان الربيع فريق حمد وفريق جبرالله  حي الضباط الصقور التلتميات الخ. اول شخص سألت عنه كان حسين الطريفي ،، طليق ،، الذي كان الاقرب لي بسبب ادمانه مثلي لصيد السمك  وحب النيل . كان قليل الكلام يتمتع بمقدرة هائلة  على تحمل الجوع طيلة اليوم وشحنة ضخمة من الصبر الذي يحتاجه صائد السمك . استحق الاسم لانه كان قويا يتمتع بقامة الدينكا وضخامة الجسم .

طليييييييق هى الكلمة التي اطلقها الجني الضخم  الذي خرج من القمقم في فيلم صلاح الدين والمصباح السحري  . وصار اسمه طليق الذي لازمه بقيىة حياته . عندما حضرنا في العصر بعد أن قضينا كل اليوم في صيد السمك تفارقنا ، وضعت والدة طليق الاكل وقبل الرجوع من الحنفية بعد غسل اليدين كانت الغنماية قد عزمت نفسها على الكسرة . بلطمة من ظهر اليد قضت الغنماية نحبها .

 عبد الله البشير كان يقول لى ……. صاحبك طليق بفي لمن يضحك لازم يغطي خشمه .عندما سألت …. لماذا عرفت أن طليق عاد من الجنوب بعد زواجه واضطر لنزع اسنانه الامامية في الفك الاسفل كعادة النيليين .

 سألت عبد الله البشير عن بقية الصحاب عثمان كرك ، البعاتي بارودي ميرغني رأس خروف عيسى موسى ، الصادق حدوقا  الخ  واخيرا سألت كيف انتقل عبد الله البشير االى عالم العمالقة  . ضحك وقال لي أنه فتح الباب في منزلهم لعبد الكريم بلبل صديق شقيقه الزبير. بلبل كان وقتها بعاني من آلام السرطان في البطن الذي قضت عليه في منتصف الستينات  . الاخ الزبير البشير كان يكبرنا بعدة سنوات مثل بلبل وهو كذلك يتمتع بذوق جيد في اللبس والعيش ، له حديقة صغيرة ونجيل يرشه عن طريق رشاشة  بماسورة مدفونة وبلف  حتى يلطف الجو ويروي الحديقة والنجيل . كان زميل الدراسة محمود قسم السيد يقوم بفتحها عندما ندخل الدار . محمود ود الكبتن هو زميل الدراسة في الكتاب والمعروف مثل اخوته باولاد الكبتن لان والدهم كان كابتنا في الجيش واحيل للاستيداع لانه اتهم بالمشاركة في الاحداث التي مات فيها الكثير من الجنود البريطانيين 1924، واجبر على حضور اعدام اصدقاءه الثلاثة بعد أن هرب حسن فرح بالرغم من رصاصتين في جسده بعد أن عبر النيل سباحة ووصل مصر بمساعدة اهله المحس  . وشفع عبد الرحمن المهدي لعلى البنا وتغير الحكم الى السجن .

رفض البريطانيون تخصيص نادي  للضباط السودانيين والذي وعدوا به قبل الاحداث . قام العم قسم السيد خلف الله  بالتنازل عن بيته الجميل لنادي الضباط والذي لا يزال قائما في شارع الموردة  جنوب دار الرياضة . وانتقل الى منزله في حي السروجية .

 قبل أن يستلقي بلبل على السرير في البرندة  حيث يجد بعض التسلية والصداقة الحقيقية من صفيه  ، قال ضاحكا بعد أن لاحظ أن عبد الله قد صار طويلا في فترة جد قصيرة ….. أنت يا عبد الله بيأكلوك عنكلوليق ؟  العنكوليق لجيل اليوم كان حلوي الناس بعد الخريف . العنكوليب نوع من القصب  الطويل ،الرفيع حلو الطعم . ينافس قصب السكر .كان ينتشر في كل ركن في امدرمان  . والكثير من قرى ومدن  السودان الشمالي في ايام موسمه .

 هذه المقدمة قد لا يجدها البعض مهمة ولكن لالقاء الضوء على البيئة التي تواجد فيها بلبل طيب الله ثراه .  ومن تلك المنطقة وما جاورها خاصة طلبة الاحفاد الاولية . انور سرور الساداتي  ، الصادق وعمه احمد المهدي عمر ابراهيم بدري  الدكتور على شبيكة  الخ .

هذا المبدع حرم من الصحة لازمه الألم ومشاكل الدنيا الا أن كرس كل حياته لاسعاد الناس ونشر الفكاهة ، تقافة المنلوج ، النكتة والسخرية حتى على نفسه . من اقرب اصدقاءه مبدع آخر هو الدكتور على دفع الله شبيكة ، وهو شاعر ثنائي العاصمة وآخرين . كان  مع اخوته يمتلكون مصنع الدواء خاصة الكافينول.

 اولاد السروجية والعباسية تحت الموردة وبانت اشتهروا بانهم سباحون ماهرون  أحدهم كان بلبل وربما بسبب اصله النوبي الذي يربط الانسان بالنيل .

 استاذنا في الاحفاد الاديب والشاعر الفريد عبد الله البشير هو مؤلف الملحمة …. مسافرون بلا زاد…. تمثل جيش ود النجومي الذي قضى عليه الجوع قبل الرصاص . وله قصيدة جعلت رئيس  الوزراء المصري يندفع الى المنصة ليحييه ويساعدة على النزول . وكانوا قد قدموا زعانف الشعراء وانصاف الشعراء مسبوقين بالالقاب ، التبجيل ومسح الجوخ خاصة لشعراء الخليج . واكتفوا بالقول  … عبد الله الشيخ من السودان ، كعادة الكثير من اهل مصر من الاستخفاف وتبخيس بضاعة السودان .

اقتباس

قصيدته التي هي عنوان المكتوب، هي من أشهر قصائده التي حاول كثير من الشعراء مجاراتها فما بلغوا شأوها، ويكفي أن نقول عنها إنها أخذت شهرتها في ليلة ثقافية في قاهرة المعز، شهدها رئيس وزراء مصر وقتها، د.فؤاد محيي الدين، في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وقد قدمه مذيع البرنامج بصورة باهتة خلاف ما كان يفعله مع سابقيه من الشعراء، بالإسهاب في وصف شعرهم، مكتفياً بالقول: والآن مع عبد الله الشيخ البشير من السودان.. هكذا بلا وصف له بأنه شاعر، ولكن الشيخ لقنه درساً لا ينسى عندما ابتدر قصيدته:

على حد السنا أمْهيت سيفي

    فرَّفت شفرتاه كما ابتغيت

فما تمالك أحد الشيوخ الأزهريين نفسه وهو يصيح: (يااه!! اسمعوا ده بيؤول إنو سنّ سيفو على حد الضوء!! أعد أعد يا شيخ).. ولم تصمت القاعة عن التصفيق والاستحسان وشيخنا يصف فرسه النشط المختلط لون سواده بالحمرة، في رحلته العجيبة:

 فهأنذا يُعادِي بي سِراعاً

    بشطِّ الغيبِ مِرِّيح كُمَيْتُ

وتستمر كلمات الاستحسان حتى يكمل الشاعر القصيدة، فينهض رئيس وزراء مصر، مخالفاً كل قواعد البروتوكول والحماية المفروضة، إلى المسرح ليخاطب الشاعر من المايكروفون: (لقد أثبتّ لنا أنك المبصر الوحيد بيننا)، فقد كان مرض السكر تضاعفت آثاره فأصاب حبيبتيه: السوداني العربي.

على حد السنا أمهيت سيفي

    فرفّت شفرتاه كما ابتغيت

وودَّعت القُرَى الاولَى وشيكاً

    فما استصحبْت إلا ما انتويت

فهأنذا يعادي بي مِراحا

    بشطِّ الغيب مِرِّيحٌ كُميت

رصائعُه مصابيحٌ سَهارى

    لهُنَّ خواطِر الحُذّاقِ زيْت

فطاف بعبقرٍ ليلاً فهرّت

    كلابُ الجنِّ:عِرفيطٌ وشيْتُ    عرائِشُ من بشَاِئِرِها جنيْت

ومَجَّ لسانُه ألقَ الثُّريَا

    جُذًى مما تغوص له الكويت

وعاد السيف يَنبُوعاً فما لِي

    سوى قوس الغمام إذا ادَّريت

وقد عرَضَت لي الأبراجُ شتَّي

    عُراضاتٍ ولكنِّي أبيْت

ونُصّت لي معارجُ من دُخانٍ

    منوِّهَةٌ ولكنِّي انتَحيت:

 فلو كانت جَناحاً من عقيق

    له خفْق البوارجِ لارتضيت

وحِرْت فدلَّني نجمٌ جموحٌ

    على مسْرَى قوافِلِه سَريت

ولاحتْ لي نوافِذُ باهِراتٌ

    فجُزتُ من النَّوافذ وامَّحيت

وأوفَى بي على زبدٍ موشًى

    على فُقاعِه طرَباً مشيْت

وناداني مِنَ المجهول صوتٌ:

    بدأتَ، وكنت أحسبَنُي انتهيت!

وَصَيَّرني الحنينُ إليه معنًى

    بِلا مبنًى وغبتُ وما اختفيْت

ت.

وَمدَّ الرغْوُ قُدَّامي طريقاً

    مُموَّهةً ولكنِّي مضيْت

وصَرِّح منْهُ عن بحرٍ زخور

    فلمَّا راقنِي عجَباً هوَيْت

وودَّعتُ الظُنونَ ووافقتْنِي

    مآذن أثْبتتْ ما قد نفيْتُ

كأنَّ خُواتَ أمِّ الرعْدِ فوقِي

    همَاهِمُ ما استمعْت وما رأيْت

رأيت اللجُّةَ الزرقاءَ ناراً

    منَ الياقوت فيما قد رأيت

ففاضَت واسْتجاشَت ثم سالَتْ

    جداولَ مايحَتْني فارتويْت:

ولم أعِ ما أُفيضَ عليَّ منها

    ولمَّا لم أعِ الفحْوَى وعيْتُ

وحسبي أنني جمَّعتُ منْها

    أصُولَ فرائدٍ مما انتَقيت

ونضَّدت الخفايا في سِلالي

    ونشَّرتُ الشُّراع اللّذْ طويْت

وعدت وليتني ما عدت دهري

    وهل يأسو عليلَ الحظِّ ليتُ؟

ولمّا زاحم الآفاق مني

    جناحا جبْرئيلٍ واهتَديْت

سمِعت سهامَ آفِلَّونَ حوْلي

    مُزَفزِفةً وآفلَّونُ ميْت

ومرت من أمامي جيْلبُوتٌ

    على أكتَافِها فَذٌّ صُلَيت

هبطْت وأجنُحِي أدغال نخلٍ

    إذا غنَّت عصافِرها انتشيت

فحامت صادحات النيل حوْلي

    تغلِّفُها المَواسم فاحتفيْت

وأعلَمُ أنها جاءتْ عِجالاً

    تقاضي رحلتي وأيا وأيت

فقالت لي: تراك خضيرَ حقلٍ

    ترفُّ ندًى فقلت لها: ارتويت

فَحَطَّت ثم طارت ثم قالت:

    تُرَى، ما جدَّ؟ قلت لها اقتنيت

وشيْت لها وأعماقِي صِحاحٌ

    بأسقامِ الصبابة إذ وشيت

فلما أمَّلت نقَرَتْ ربابِي

   فهازجها من الأوتار بيت!!

 نهاية اقتباس

 لقد صدق المصري . استاذنا وزميل دراسة الدكتور كمال ابراهيم بدري في الشعر واللغة العربية كان قد فقد نعمة البصر الا انه اعطانا عيونا لنرى بها . لم يحدث أن عاقب استاذنا عبد الله البشير طالبا او اغلظ له القول . وطلاب الاحفاد اشتهروا بأنهم صعبي المراس ….. لم يحدث أن لم يبدي اكثرهم تمردا وشراسة كل الاحترام والحب الصادق لاستاذنا الفريد عبد الله البشير . من العادة أن يذهب طلبة المدارس في رحلات قصيرة او طويلة . المشكلة أن الجميع كانوا يصرون على اصطحاب الاستاذ عبد الله البشير المتواضع المتقشف . كان فيلسوفا ودرويشا يحب البساطة العطاء من مرتبه وقته وعلمه .

 بسب اوبريت  …..  بي ايدينا نبنيك يا بلدنا اقسمنا لازم نبنيك …..تواجدنا في ساحة المسرح والاذاعة للبروفات ثم الظهور في المسرح في بداية الستينات . هذا الاوبريت من تأليف الاستاذ عبد الله البشير لحن الاستاذ الموسيقار المغني والملحن احمد  عبد الرازق  الذي اشتهر بأوبريت  الريدة الريدة يا حبيب قلبي مع عشة موسى احمد ،،الفلاتية ،، . كما اشتهر بالاغاني التجارية لتقديم بضاعة . مثلاغنية صابون صافي الحير اوصافي . ودعاية ……الببسي  يا طلب الاحباب وكل تزداد طلاب  البيبسييييي  مشروب السعادة والاكرام الببسيييي. وكان الشارع يرد هذه الاغنيات بكثرة  ، لانها خفيفة . … الكوكا كولا بجلولا حلوة ولزيزة وبندورا وكان حبيبنا مجافينا بالكوكا كولا بعود لينا .كنا ننطلق الى  القهوة في الاذاعة  لمقابلة  بلبل وبالرغم من الالم الذي كان يجعل بلبل يمسك بطنه يواصل الابتسام ورواية النكات  والقفشات . لم يكن من الممكن ان انسى بلبل طيب الله ثراه في كتاب حكاوي امدرمان . اين تكريم بلبل يا اهل الفن والكوميديا ؟؟؟؟؟؟

 ونحن صغار  كان  بلبل قد نشر ظاهرة جديدة في الفكاهة اسمها ….. اشمعنا . رددها كل السودان . منها  قملتين في شنب ابوك … قول اشمعنا ! اشمعنا ؟ … عاملين جر حبل  . وكنا نضيف مشاركتنا مثل …. غنمايتكم وكلب الجيران …. اشمعنا  …. بقوا اخوان   ها هاها ها . ونوع آخر من النكات مثل بالذمة  …… شايف الخواجة الماشي دا انا  كنتا ببني ليه في بيت بعشرين الف جنيه …. بالذمة  ؟  لا بالطوب الاحمر .. بلبل الذي كان يعاني من المرض الالم والكثير الكثير كان يعطي الفرح والبهجة وهو اول انسان كسر حاجز الخوف من المزاح والنكته على الآخرين وعلى نفسه . قديما كان الكبار عندما تنتابهم نوبة من الضحك . يستغفرون الله وكانهم قد ارتكبوا اثما . ويعودون الى الوجه المتجهم .

 بلبل كان يبدا منلوج  بطريقة صارمة كما يقول البعض في الموالد ….. ياربي بهم وبآلهم  عجل بالفتح وبالفرج … ثم يغير اللهجة وعلى نفس اللحن الى منلوج ساخر لا اذكر منه الا ….. سالوني عن المتنبي ، اجبت كان في المهدية كهربجي . اتمنى من يذكر اشياء عن هذه المنلوجات ان ينشرها . او ما يذكر عن  الرائع بلبل طيب الله ثراه  . ومن المنلوجات ما يقول فيه…… أنا في بانت بانت كنت نبطشي وكنت ،،مكسر ،، ما قادر امشي . وجاني .السينير وقال لى تمشي تمشي وتمشي  ولو بالعافية  ….

 المنلوج الذي كان اوسع انتشارا هو  منلوج السكة حديد ..

 لاتمحنا ولا تبلينا

 شر السكة حديد  تكفينا

 درجة رابعة تقول طرماج

 موية زيرا تحل الشاهي

 لما لاجت غادي وجاي

انحنا في اولا اتخجينا

  انكسرت ايدي والنضارة

الكمساري بدل كفارة

 قال لي ليه ما جبتا رتينة

الكمساري قال لي طلع

عشرة جنيه من جيبك

جنيه تمن تذكرتك

وتسعة جنيه  جنيه عشان

شينه خلقتك .

 كنت اقابل عبد الكريم في سوق الموية . كان يتواجد بين قهوة مكي  وقهوة جورج مشرقي وبين القهوتين  ممر مسقوف ضيق . لم الحظ قبحا او ،، شنا ،، كما يقول هو او البعض . وربما بسبب ابتسامته  الجميلة وعيونه  المرحة تعمي الانسان ولا يرى الا الجمال  ، المرح والسعادة التي  ينثرها حوله . آخر مقابلة في 1964 كانت في مقهى مكي وكان يمشي منحنيا من الالم الا انه كان يبتسم ويضحك  ويحكي النكات …… لله درك يا صانع الفرح والبهجة التي حرمت منها  بسبب المرض .

shawgibadri@hotmail.com



Supply hyperlink

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close