Politics

المسؤولية التاريخية لقوى الثورة والتغيير الديموقراطي في ظل انقلاب 25 أكتوبر العسكري (3 من 3)  .. بقلم: د.  شمس الدين خيال 

وقوف الدولة السودانية علي حافة الانزلاق الي وضع “الدولة الفاشلة”، وسيادة “عدم اليقين بما هو آتي غداً”، رفع من الإحساس والوعي عند الغالبية العظمة من الشعب السوداني بوحدة المصير، وتطلعها نحو  قيادة سياسية موحده تقدم أجوبة وحلول عملية لمنع هذا الانزلاق وتنهي عندها حالة عدم اليقين بمستقبل الحياة. في هذا الظرف التاريخي المرتبط ببقاء أو زوال الدولة السودانية الموحدة، وفي ظل الوضع الاقتصادي، والتطور السياسي والاجتماعي والنفسي للشعب السوداني يقع ضغطاً منقطع النظير على قوي الثورة والتغيير الديموقراطي لتحمل المسؤولية التاريخية لبناء تحالف وطني عريض من أجل أسقاط سلطة الإنقلاب العسكري وتحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة: “حرية سلام وعدالة “. وقد يكون هذا الإجراء بمثابة الفرصة الأخيرة لتجنب انهيار الدولة السودانية، والخطوه الأساسية لبناء دولة مدنية ديموقراطية موحدة تقوم علي أساس المواطنة والعدالة والمساواة القانونية والاجتماعية.
وتأتي هذه المسؤلية تحت وضع سياسي واقتصادي واجتماعي وأمني وعدلي في غاية التدهور، والمرتبط بسياسية تثبيت السلطة الانقلابية بمفهوم “مهمها كلف الثمن”، وفي ظل تعدد المراكز المؤثرة داخلها، وتعدد واختلاف المصالح السياسية والاقتصادية وارتباطها الإقليمي والعالمي داخل معسكر الانقلابين، وعدم الثقة والتشاكس داخل معسكر قوى الثورة والتغيير الديموقراطي، وعدم الثقة بين المعسكرين تحدي حقيقي للتوافق علي قيام حوار سياسي وطني سوداني للبحث عن مخرج سياسي من الوضع القائم. ويعبر عن هذا الوضع المتأزم بين المعسكرين الإعداد الكبيرة من المبادرات والمواثيق السياسية المقترحة من أفراد ومجموعات سياسية وأجتماعية واكاديمية ودينية مختلفة للخروج من الأزمة السياسية الحالية.
ويخاطب جزءاً من هذه المبادرات معسكر الإنقلابين ومعسكر قوى الثورة والتغيير بهدف إعادة “اقتسام السلطة” بموجب وثيقتي الإعلان الدستوري والإعلان السياسي، التي قوضهما المكون المعسكري بإنقلاب 25 أكتوبر 2021، مع توسيع المشاركة السياسية عبر إشراك كيانات حزبية وقبلية محسوبة علي النظام الساقط. ولكن تفتقد المواثيق والمبادرات من هذا الإتجاه لشروط أساسية لتحقيق توافق حولها من قبل المعسكرين. ويتمثل النقص في عدم التعامل مع الأزمة السياسية: علي أساس مسبباتها، وتسمية الجزء المسؤول في حدوثها، وتحمليه المسؤولية الكاملة لتداعيات أفعاله، وحثه علي التراجع عن مواقفه التي كانت سبب في نشوء الأزمة، وتقديم رؤية سياسية بأدوات وآليات واضحة للخروج من الأزمة، وتحد من تكررها. قياساً بتلك المتطلبات المرجوة من مبادرة تلاقي القبول، لا تحمل المبادرات “التوافقية” المطروحة من هذا الإتجاه مقومات التأثير علي الواقع السياسي بعد الإنقلاب: لبعدها عن الشارع السياسي واهدافه المتمثلة في إسقاط الانقلاب، وأبعاد العسكر عن السياسة، ومحاسبة الضالعين في الإنقلاب العسكري، وفي قتل المتظاهرين السلميين، وانتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة سلطة الإنقلاب، وضرورة تفكيك التمكين السياسي والاقتصادي لافراد ومؤسسات وداعمي النظام الساقط كشرط أساسي لنجاح الإنتقال السياسي وقيام أنتخابات برلمانية حرة ونزيهة في نهاية الفترة الانتقالية. وكذلك تفتقر هذه المبادرات الي تقديم تصور لاليات تحقيق العدالة الانتقالية، ولعمل الدستور الدائم، ولشكل نظام الحكم والعلاقة بين المركز والإقليم. وتتجاهل هذه المبادرات أيضاً ضرورة  خلق الشروط السياسية المرجوة لفك العزلة السياسية والاقتصادية العالمية للبلاد: “قيام حكومة ذات مصداقية” تحقق إصلاحات حقيقية لكل أجهزة الدولة، بما فيهم المنظومة الأمنية والعسكرية، والعدلية والمالية، وتفكيك التمكين السياسي والاقتصادي للنظام الساقط ومؤسساته العسكرية والأمنية والدعائية!
ومن أهم المبادرات والمواثيق من هذا الإتجاه: “إعلان ميثاق التوافق الوطني، قوي الحرية والتغيير” أكتوبر 2021،”مبادرة الجبهة الثورية السودانية” مارس 2022، “الوثيقة السودانية التوافقية لإدارة الفترة الانتقالية” مارس 2022. وتهدف وثيقة الجبهة الثورية لإطلاق حوار بين الشركاء القدام في سلطات الفترة الانتقالية والمنصوص عليها في وثيقة الإعلان الدستوري ووثيقة الإعلان السياسي الموقعة بين المكون العسكري وقوي الحرية والتغيير بهدف التوافق علي سلطة تدير الفترة الانتقالية. وشددت المبادرة علي التمسك بتنفيذ اتفاق السلام كاملا بما في ذلك مسار الشرق الذي تدور حوله خلافات حادة بين مكونات الشرق السياسية والقبلية. ولم تحظا هذه المبادرة بقبول من قوي الثورة والتغيير الديموقراطي. وأيضاً لقيت نفس مصير مبادرة الجبهة الثورية: ما تسمي ب”الوثيقة السودانية التوافقية لإدارة الفترة الانتقالية” المعدة من “المركز الإفريقي لدراسة الحوكمة والسلام والتحول” و”مركز دراسات السلام والتنمية” بجامعة بحري التي وقعت عليها 76 جهة مشاركة وداعمة وموالية لمعسكر الانقلابين، ومنها جزءاً كبيراً شارك في سلطة حزب المؤتمر الوطني المحلول.
ونقيضاً لتلك للمبادرات المزكورة اعلاه، جاءت المبادرات والمواثيق من قوي الثورة والتغيير، والمقترحة عليها من مكونات سياسية وأجتماعية واكاديمة وأفراد مرتكزة علي إسقاط أو إنهاء سلطة الانقلاب وأبعاد العسكر عن السياسة ومحاسبة الضالعين في الإنقلاب وفي قتل المتظاهرين السلميين، وفي انتهاكات حقوق الإنسان، وتفكيك التمكين السياسي والاقتصادي للنظام الساقط… الخ. ومن أهم البادرات والمواثيق من معسكر قوى الثورة والتغيير الديموقراطي: “وثيقة قوي إعلان الحرية والتغيير، المجلس المركزي” فبراير 2022، ومبادرة حزب الأمة القومي” 24 ديسمبر 2021، و”خريطة طريق لاستعادة الشرعية واستكمال المرحلة الانتقالية، و”وثيقة الحزب الشيوعي السوداني” يونيو 2021، و”مبادرة أستاذة جامعة الخرطوم” ديسمبر 2021، و”وثيقة لجان مقاومة ود مدني”، يناير 2022، و”ميثاق سلطة الشعب لجان مقاومة الخرطوم”، فبراير 2022، و”مشروع وطني للعدالة الانتقالية”، مقدم من أسر شهداء ثورة ديسمبر.
ويعطي الكم الكبير من المبادرات والمواثيق المقدمة من قوي الثورة والتغيير الديموقراطي والمقترحة عليها من مؤسسات أكاديمية ومكونات مجتمعية وأفراد الانطباع بأن هناك “مهرجان تسابق لمبادرات ومواثيق” يوزع فيه جوائز للفائزين.! لكن، وفي واقع الحال يعبر هذا الكم من المبادرات عن حالة عدم الثقة والتصدع والتشرزم، الذي يعيشه معسكر قوي الثورة والتغيير الديموقراطي. وذلك، رغم التوافق العريض داخله علي المبادئ السياسية الأساسية تجاه سلطة الإنقلاب والمتمثلة في “اللآت الثلاثة”: “لاتفاوض، ولا شرعية ولا شراكة” مع قادة الإنقلاب، وعلي إعادة المسار الديموقراطي وإدارة الفترة الانتقالية وتحديد واجباتها بموجب وثيقة دستورية جديدة، تتضمن تفكيك التمكين السياسي والاقتصادي للنظام الساقط، وتحقيق العدالة الانتقالية، واستكمال السلام، وقيام المؤتمر الدستوري… الخ. وتختلف المكونات حول مواضيع غير ذات أهمية، مقارنة بحجم التحديات والمخاطر التي تواجهها الدولة السودانية تحت سلطة الإنقلاب، ومقارنة بتجارب شعوب أخرى من المحيط الإقليمي أو العالمي مرت بتجارب سياسية مشابهة للوضع القائم في السودان.
ويتمثل الإختلاف داخل قوي الثورة والتغيير الديموقراطي في: آلية وطريقة إسقاط الإنقلاب العسكري، وواجبات الفترة الانتقالية، وطريقة التعامل مع المكونات السياسية التي كانت جزء من الشراكة العسكرية/المدنية قبل الإنقلاب العسكري. وبسبب وقوف هذه “الصغائر” في طريق وحدة تحالف قوي الثورة والتغيير الديموقراطي تتأرجح بعض مكونات هذا المعسكر ما بين التوافق والمساومة مع معسكر الانقلابين وما بين مطالبات الشارع السياسي الثوري المعلومة.
وأوضح مثال لهذه المواقف المتأرجحة تمثل المبادرات الفردية لحزب الأمة، وسلوك وأداء رئيس الحزب المكلف فضل الله ناصر برمه الغير ثابت وغير مؤسس في التعاطي مع الأزمة ومسبباتها، وذلك رغم رفض قواعد الحزب الشبابية لهذا السلوك وتواجدها في الحراك الشبابي السياسي داخل لجان المقاومة ودعمعها لتوجهاتها. وظهر هذا الوضع والسلوك الغير ثابت للمكونات الحزبية داخل قوي الحرية والتغيير أيضاً في المواقف المتناقضة من “حزب المؤتمر السوداني” وحزب الأمة القومي تجاه المشاركة في “الملتقي التحضيري” الذي دعت له الآلية الثلاثية. وبينما يرفض “حزب البعث العربي، الأصل”، وبعض مكونات المجتمع المدني، والمؤتمر السوداني المشاركة في اللقاء، ويري ان الملتقى “لن ينهى الوضع الانقلابي”، وذلك بسبب التشخيص الخاطئ للازمة “وتحديد أطرافها وقضاياها”، رحب المكتب السياسي لحزب الأمة بكل مسعى للحل السلمي للأزمة. وفي نفس السياق جاء تصريح المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، ليؤكد التزام قوي الحرية والتغيير للتعاطي مع مبادرة الآلية الثلاثية مع التشديد على تهيئة مناخ للحوار السياسي بوقف العنف والاعتقالات السياسية وتكفيل حرية الرأي والتظاهر والتجمع. كل هذه الممارسات الغير مرتبة وغير منسقة بين قوي مهمة من قوي الثورة والتغيير الديموقراطي توحي بعدم توفر الشروط الكافية للقيام بالدور المطلوب في قيادة تحالف عريض لإسقاط الانقلاب العسكري.
وتشترك أغلب المبادرات من هذا المعسكر في كونها مبادرات حزبية فردية يتم بلورتها من كيان واحد وعرضها على الآخر للانضمام لها، بدلاً عن طابع العمل السياسي الجماعي الذي تتطلبه المرحلة وحجم تحدياتها للوصول إلى “وثيقة توافق سياسي” عريض لإسقاط الأنقلاب وأكمال الفترة الانتقالية. ويشير الي هذا الضعف لمبادرات هذا المعسكر: مرور أكثر من شهرين على إعلان “ميثاق سلطة الشعب” المقدم من “تنسقية لجان مقاومة الخرطوم” من غير ظهور إشارات علي تواجد آلية أو وعاء يقوم بخلق الشروط السياسية والفنية لانضواء مكونات قوي الثورة والتغيير الديموقراطي تحته، بغض النظر عن ظهور توافق حوله من كل قوي الثورة والتغيير الديموقراطي، أو الشروع في تكوين قيادة وإستراتيجية موحدة لإسقاط سلطة الانقلاب، وإعادة عملية الانتقال الديمقراطي المدني الي مسارها. ولا يشير النقاش الدائر بين قوى الثورة والتغيير الديموقراطي وتكرارت التصريحات والندائات للتوحد الي إمكانية حدوث تغير في هذا المضمار عبر الصيغة النهائية لميثاق سلطة الشعب، المقرر إعلانه في يوم الأربعاء المقبل.
إرتباطاً بما سرد أعلاه عن وصول العملية السياسية في البلاد إلى حالة الجمود، وبعمق أزمة الثقة بين معسكر الانقلابين ومعسكر قوى الثورة والتغيير الديموقراطي تشرع الآلية الأممية/الاقليمية المشتركة بين البعثة الأممية لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان/يونيتاميس والإتحاد الإفريقي ومنظمة الايقاد في القيام بدور المحرك والراعي لحوار سياسي سوادني لانهاء جمود العملية السياسية من أجل الخروج من الأزمة السياسية القائمة. وتري الآلية الثلاثية ان دورها ينحصر في “جمع أصحاب المصلحة في السودان” لإجراء حوار يؤدي إلى أتفاق سياسي لإكمال الفترة الانتقالية، ولقيام أنتخابات في نهايتها. وطرحت الآلية انحصار الحوار حول أربعة محاور: تكوين قيادات لمؤسسات الدولة السياسية، وكيفية أختيار رئيس لمجلس الوزراء، ووضع برنامج اقتصادي اسعافي، وترتيب للانتخابات.
وفي هذا الصدد ألتقت الآلية مع قادة الإنقلاب، وفصيلي قوي الحرية والتغيير، والاحزاب السياسية الاخري، وبعض ممثلين لجان المقاومة، ومنظمات المجتمع المدني النسائية والعاملة في مجال حقوق الإنسان، والمنظمات الأكاديمية.. الخ، بينما رفضت بعض القوي السياسية اللقاء معها ولمبداء الحوار مع قادة الإنقلاب. ومن القوي الرافضة لمبدأ الحوار مع قادة الإنقلاب: تنسيقية لجان مقاومة الخرطوم ومدني، والحزب الشيوعي، ومكونات قوي الحرية والتغيير (مع عدم وضوح موقف حزب الأمة القومي). وأكد فولكر بيرتس ممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس البعثة الأممية/يونتاميس علي تواجد توافق على “الحوار السوداني”، بينما ترفض “بعض القوي السياسية اللقاء في مائدة واحدة للحوار”.
وفي بداية الشروع ل”مبادرة تسهيل الحوار” الأممية/الاقليمية المشتركة طالبت الآلية السلطة الانتقلابية “بتهيئة أجواء الحوار” برفع حالة الطوارئ، وتأمين حق ممارسة العمل السياسي وحرية التعبير، وبوقف العنف ضد المتظاهرين السلميين، وإطلاق سراح كل المعتقليين السياسيين، والشروع في التحقيق في قتل المتظاهرين، وفي جرائم اغتصاب النساء المشاركين في الإحتجاجات السلمية، والتعذيب داخل السجون، وغيرها من انتهاكات لحقوق الإنسان. وبعد إطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين من النشطاء في لجان المقاومة، ومن قادة في الأحزاب السياسية، ولبعض أعضاء لجنة تفكيك النظام الساقط أعلنت الآلية الثلاثية عن الخطوه القادمة لبدء الحوار بين المكونات السياسية والاجتماعية المختلفة في الأسبوع الثاني من شهر مايو الحالي. وأعلنت الآلية في تصريح لها خلال هذا الأسبوع عن أدارة الحوار في شكل غير مباشر، مع إعلان النتائج للجمهور بإنتظام.
ويأتي السؤال في هذا السياق عن فرصة نجاح الدور الذي وضعته الآلية الثلاثية لنفسها في تسهيل قيام الحوار السوداني للقوي السياسية المؤثرة للوصل إلى توافق سياسي لإكمال الفترة الانتقالية، أو ضرورة توسيع هذا الدور ليشمل: بلورة “وثيقة سياسية أممية/اقليمية مشتركة” بمثابة المخرج الأخير من الطريق السياسي المسدود الذي يعيش فيه السودان؟ وتأتي أهمية هذا السؤال من خلفية ما وضح في هذا السرد من تباين سياسي كبير وعدم ثقة بين معسكر الانقلابين ومعسكر قوى الثورة والتغيير الديموقراطي، واستمرار الممارسات القمعية ضد المتظاهرين السلميين وقتلهم بالدهس المتعمد بسيارات القوات الأمنية، وأعتقال لناشاطيين من لجان المقاومة. بجانب سيادة عدم الثقة في قادة المكون، واستمرارة في سياسة الاستقطاب باعادته لمنتسبي لفلول النظام الساقط الي الخدمة المدنية، وعدم تهيئة أجواء الحوار أكدت مكونات أساسية من قوي الثورة رفضها لأي حوار مباشر مع قادة الإنقلاب، ولأي تسوية سياسية تعيد شكل الشراكة السياسية التي كانت قائمة بين المكون العسكري وقوي الحرية والتغيير قبل الإنقلاب، أو لا تفضي الي أنهاء الإنقلاب العسكري.
ويرتبط التساؤل حول فرصة نجاح الآلية الثلاثية في تحقيق التوافق السياسي لإعادة مسار الانتقال السياسي بمدي أستعداد المكون العسكري للتراجع عن تفهمه لدوره “الطبيعي” في حكم الدولة، ومدي قبول قوي الثورة والتغيير الديموقراطي لهذا الدور. حيث ينطلاق قادة الإنقلاب من هذا المفهوم لعمل أي حكومة انتقالية من منظور تواجدهم في السلطة ورغبة الحفاظ عليها. تابعاً لذلك يري معسكر النقلابين دور الحكومة المكونة من تكنوقراط مستقلين سياسيًا منحصراً في تحقيق إستقرار سياسي: من أجل الحصول على دعم اقتصادي خارجي، وإكمال شروط قيام أنتخابات في نهاية الفترة الانتقالية المتبقة، وذلك من غير معالجة ملفات تحقيق العدالة الانتقالية لشهداء الثورة ولضحايا الإبادة الجماعية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ومن غير الشروع في تكوين جيش مهني موحد،، وإيلاء الشركات العاملة في مجال الإنتاج والتجارة والخدمات المدنية التابعة للمنظومة الأمنية لوزارة المالية، ومن غير وضع قيادة المنظومة الأمنية تحت مسؤولية سلطة مدنية. كذلك يري قادة الإنقلاب حلفاءهم السياسين في الحركات المسلحة الموقعة علي سلام جوبا، والمشاركة في سلطة الإنقلاب الان، بجانب قيادات قبلية، إدارات اهلية، ومجموعات أخرى كانت مشاركة في سلطة النظام الساقط. ويشترط قائد الإنقلاب، الفريق البرهان إنهاء دورهم السياسي “بتوافق لكل القوي المدنية، معادا حزب المؤتمر الوطني، أو بقيام أنتخابات”.
بينما يري معسكر قوى الثورة والتغيير الديموقراطي الأزمة من موقعه الثوري لإنهاء حالة “الا دولة” بتصفية كل هياكل التمكين السياسي والاقتصادي للنظام الساقط، وإصلاح مؤسسات السلطة السياسية والإدارية الاقتصادية والعدلية والأمنية لتقوم بدورها الطبيعي في ظل نظام سياسي مدني ديموقراطي متعدد. ولتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية يلزم أبعاد القوات المسلحة والمنظومة الأمنية من العمل السياسي والاقتصادي، وتأسيس جيش سوداني مهني موحد قائم علي العقيدة الوطنية تحت سلطة الدولة المدنية، ومحاسبة كل من خطط ونفذ ودعم الإنقلاب العسكري الحالي، وتحقيق العدالة لضحايا وشهداء الحروب الأهلية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ومجزرة فض أعتصام القيادة العامة، ولشهداء الإحتجاجات السلمية منذ الإنقلاب، ولضحايا النزاعات القبلية والنهب المسلح في دارفور وفي غيرها من إقليم السودان الأخرى.
ويمثل هذا الوضع السياسي المعقد والذي يحمل في طياته مخاطر حقيقية في فشل الدولة بتداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية تؤدي إلى تفكك كامل للدولة السودانية من جانب، وفشل معسكر الانقلابين في تثبيت سلطة الإنقلاب، من جانب آخر ضغط ومسؤولية وطنية علي قوي الثورة والتغيير الديموقراطي للتوحد في تحالف عريض وقيادة موحدة لإسقاط سلطة الإنقلاب وإعادة مسيرة الانتقال المدني الديموقراطي. ومن غير الخوض في تقيم لمقدار فرصة نجاح الآلية الثلاثية في تجسير مواقف المعسكرين، في ظل انعدام الثقة بين القوى السياسية المؤثرة، تحتم حقيقة وقوف البلاد علي حافة الانزلاق الي حالة الدولة الفاشلة، والقناعات والممارسات السياسية التي أظهرتها قادة المنظومة الأمنية والعسكرية والمكونات المتحالفة والمتهادنة معها، ضرور توافق عريض بين قوي الثورة والتغيير الديموقراطي حول قيادة ورؤية موحدة لإسترجاع المسار الديموقراطي المدني، وذلك قبل الدخول في الحوار “المباشر أو الغير مباشر”، مع سلطة الإنقلاب تحت رعاية الآلية الثلاثية، وقبل الاضطرار لقبول خيارات لم تشارك هي في صنعها وبعيدة عن مطالب الشارع السياسي الثوري.
وذلك لأن في ظل غياب وحدة قوي الثورة والتغيير الديموقراطي لإسقاط سلطة الإنقلاب وإعادة مسيرة الانتقال المدني الديموقراطي، وتحت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يعيشه الشعب السوداني يسيطر علي المواطنين في كل أنحاء السودان عدم يقين عنما هو آتياً غداً، بالأخص في مناطق النزاعات القبلية، وخصوصاً بعد الأحداث الدموية الأخيرة في محلية الكرينك والجنينه في ولاية غرب دارفور. ويتزايد إحساس عدم اليقين متأثراً بالسيناريوهات المتداولة عنما قد تؤول عليه الدولة السودانية في حالة انسداد كل الأفق لوجود مخرج من الأزمة القائمة ووصولها الي حالة الدولة الفاشلة، مثل الصومال واليمن وسوريا وليبيا… الخ.
وبما أن إحساس اليقين بما هو آتياً في المستقبل يمثل جزءاً اسياسياً في تركيبة الإنسان النفسية يتأثر إقباله علي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بمقدار ما يحس به من يقين في حياته. سياسياً يحمل فقد اليقين بمجري المستقبل في طياته دينماكية خطيرة، خصوصاً عند الأجيال الناشاءه: تتمثل من جانب في الإستسلام للامر الواقع واللامبالة بما قد تصل إليه الأمور في الدولة والمجتمع، أو تجعله فريسة سهله للاغواء السياسي من قبل المجموعات المتطرفة، والتي توعد بحلول سهله، مثل مجموعات الاسلام السياسي أو المجموعات التي تستغل “سياسة الهوية القبلية والجهوية الجماعية” للحصول على مكاسب سياسية ومادية، ومن جانب آخر في أحتمال لجوء مجموعة أو مجموعات لسلك طريق العنف المسلح لتغير مجري الأمور.
أزمة اليقين بمستقبل الحياة كنتيجة لأزمة الدولة السودانية يهدد ان يصبح عاملاً يسريع من انهيار الدولة ومن انزلاقها الي وضع الدولة الفاشلة، أذا لم تخرج قوي الثورة والتغيير الديموقراطي من وضع التشرزم، وتخوين الغير، والتخيل بامتلاك القوي “الحقيقية والكافية” لأسقاط سلطة الإنقلاب. في هذه “المعركة السياسية” ضد قوي الإستبداد والاسترزاق السياسي وضد الطفيلية الاقتصادية لا يوجد كسب حزبي أو شخصي، بل كسب أو هزيمة لمشروع الدولة المدنية الديمقراطية الموحدة القائمة علي أسس الحرية السياسية والشخصية والعدالة والمساواة القانونية والاجتماعية. التحدي الماثل إمام أعين الجميع لا يمكن انجازة من غير تحالف عريض لقوي الثورة والتغيير الديموقراطي ولحشد جماهيري كبير، ومن غير تضامن إقليمي وعالمي مع الثورة السودانية. إنجاز مشروع تحقيق شعارات ثورة ديسمبر المجيدة: حرية سلام وعادلة يمثل الفرصة الأخيرة لبقاء الدولة السودانية الموحدة، ويمثل بذلك أهم، وفي نفس الوقت أصعب مشروع سياسي في تاريخ السودان الحديث.
shamis.khayal@gmail.com

Supply hyperlink

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close