Politics

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك – سودانايل

تُعدُّ دراسة عفاف عبد الماجد أبوحسبو عن “النزاعات الانقسامية في الحركة الوطنية السُّودانية، 1918-1948م” من الدراسات الرائدة التي تناولت العلاقة الجدلية بين السُّلطة الاستعمارية (الحكومة الإنجليزية-المصرية) ومكونات الحركة الوطنية، التي نُمِّطت حسب استراتيجيات سياسة التفريق وبسط السيادة الاستعمارية (divide and rule)، ووفق ديناميكيات الحراك الداخلي ومؤثراته الخارجية التي خلقت منها ثنائياتٍ متصارعةً أو مدمرةً. وأصل هذه الدراسة أطروحة أكاديمية بعنوان: “Factional Conflict in the Sudanese Nationalist Movement, 1918-1948″، تقدمت بها المؤلفة لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة الخرطوم عام 1980م. ورشَّحتها كلية الدراسات العليا بالجامعة نفسها للنشر، فصدرت طبعتها الأولى عام 1985م. تتكون النسخة الإنجليزية المنشورة من 179 صفحة من القطع المتوسط، مقسمة إلى مقدمةٍ، وتسع فصولٍ، وخاتمةٍ، وثبتٍ للملاحق وآخر للمصادر والمراجع. تقاطعت الدراسة أفقياً مع عدد من الدراسات السابقة لها عن الإمبريالية والحركة الوطنية في السُّودان، مثل: دراسة جعفر محمد علي بخيت، الإدارة البريطانية والحركة الوطنية في السُّودان، 1919-1939″( )؛ ومدثر عبد الرحيم، الامبريالية والقومية في السُّودان: دراسة للتطور الدستوري والسياسي، 1899-1956″( )؛ ومحمد عمر بشير، “تاريخ الحركة الوطنية في السُّودان، 1900-1969″( ). ويُقصد في هذا المضمار بالتقاطع الأفقي أنَّ الدراسات السابقة المشار إليها قد تناولت قضية العلاقة الجدلية بين السُّلطة الاستعمارية الحاكمة ومكونات الحراك الوطني تناولاً عاماً دون فحصٍ دقيقٍ في قضية الانقسامات الثنائية والعوامل المحفِّزة لها. وبعد إصدار كتاب “النزاعات الانقسامية” عام 1985م صدرت العديد من الدراسات اللاحقة التي تقاطعت معه رأسياً، بحكم أنها قد ركَّزت على مكونٍ واحدٍ من مكونات الحركة الوطنية، وناقشت دوره في إطار المنظومة الاستعمارية وتدافع الحركة الوطنية تجاه الحكم الذاتي والاستقلال من طرف والدعوة إلى وحدة وادي النيل من طرفٍ ثانٍ، ونذكر منها: دراسة خالد حسين عثمان الكِد، الأفندية ومفاهيم القومية في السُّودان( )؛ وظاهر جاسم محمد، السيد علي الميرغني زعيم الختمية ودوره في استقلال السُّودان( )؛ وحسن أحمد إبراهيم، السيد عبد الرحمن المهدي: دراسة في المهدية الجديدة في السُّودان( ). وبالرغم من تقاطعها الرأسي؛ إلا أنَّ هذه الدراسات لم تسبر غور “النزاعات الانقسامية” التي شكلت نقطة ارتكاز أطروحة عفاف أبوحسبو، وتحليلها لدور التركيبة الوطنية الثنائية القائمة على أطماع طرفي الحكم الثنائي (بريطانيا ومصر)، وتنافس طائفتي الختمية والأنصار، وابتعاد الجنوب عن النضال الوطني في الشمال لأسباب داخلية وخارجية، وتعارض وجهات النظر بين جيل المعتدلين وجيل المتطرفين من قيادات الحركة الوطنية المستنيرة في الخرطوم، فضلاً عن ذلك دور حكومة السُّودان التي سيطر عليها الشريك الأقوى (البريطانيون)، واستخدم سياسة “العصا والجزرة” في تعاطيه مع مكونات الحركة الوطنية. شبَّه جعفر محمد علي بخيت علاقة السُّلطة المركزية الاستعمارية مع مكونات الحركة الوطنية ذات التركيبة الثنائية المتصارعة بعلاقة الشمس بالكواكب السيارة (المجموعة الشمسية)، علماً بأن الأخيرة كانت تستمد قوتها من السُّلطة المركزية التي رمز إليها بالشمس، وتدور بانتظام في مدارات معينة، دون أن تربك سياسة الدولة الاستعمارية في “صنع الأحداث وتشكيل المواقف.” وفي ظل هذه المنظومة الكولونيالية لم تسع السُّلطة المركزية الحاكمة لترسيخ قيم الوحدة الوطنية، بل مالت إلى توظيف الصراعات الثنائية؛ لتحكم قبضتها على إدارة الدولة والمجتمع،( ) دون أن تشرك القوى القطاعية المجتمعية في صوغ السياسات العامة التي تهدف إلى ترسيخ قيم الوحدة الوطنية، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة.
لفهم جذور الانقسامات السياسية ومحركاتها الداخلية والخارجية، اختارت عفاف أبوحسبو حدود دراستها الزمنية بعنايةٍ، بدءاً من تأسيس نادي خريجي مدارس السُّودان بأمدرمان عام 1918 وانتهاءً بقيام الجمعية التشريعية عام 1948م؛ لأن بذرة النشاط الاجتماعي للخريجين وبعض حواراته السياسية بدأت في هذا النادي، الذي انقسم أعضاؤه بين شجب ثورة 1919 المصرية وتأييدها. وتطور هذان الفصيلان في منتصف العشرينيات إلى معسكرٍ موالٍ لمصر (وحدة وادي النيل)، ومعسكرٍ موالٍ لبريطانيين (السودان للسودانيين). وفي النصف الأول من عقد الثلاثينيات نشطت الطائفية وسط صفوف الخريجين، الذين شكلوا فصيل الشوقيين (محمد علي شوقي) المؤيد للاستقلال والمدعوم من طائفة الأنصار وفصيل الفيليين (السيد أحمد الفيل) الموالي لمصر والمدعوم من طائفة الختمية. وحسب المؤلفة إن هذه الثنائية الشوقية-الفيلية قد أُعيد تشكيلها في إطار النزاع الختمي-الأنصاري من طرفٍ، والصراع البريطاني-المصري من طرفٍ آخر. وقد عزز هذه الثنائية “المدمرة” الروح التنافسية والطموحات الشخصية في أوساط الخريجين، ومحاولة الطائفية استثمار ذلك لخدمة مصالحها الإقطاعية، فضلاً عن سياسة حكومة السُّودان تجاه المتعلمين والطائفية. وبعد ذلك نظرت المؤلفة بعين فاحصة لتطور هذه النزاعات الانقسامية أثناء إضراب طلبة كلية غردون التذكارية عام 1931م، وداخل أروقة نادي الخريجين، وفي استجابات الخريجين الموجبة والسالبة لتأسيس المجلس الاستشاري لشمال السُّودان عام 1944 والجمعية التشريعية عام 1948، وكيف انتقلت هذه الثنائية إلى شعارات الأحزاب وأجندتها السياسية. ولا جدال في أن هذا الوضع برمته قد أفرز رؤيةً وطنيةً ضامرةً في مواجهة التحدي الاستعماري، الأمر الذي دفع عفاف أبوحسبو إلى القول في خاتمة دراستها: “ربما كان المرء يتوقع أن تنشأ الانقسامية بعد نيل الاستقلال، عندما يكون حدوث الانقسام شيئاً مرجحاً خلال عملية اتخاذ القرار حول الأولويات؛ لكن ليس قبل ذلك عندما يتوجب أن تكون المنصَّة الشاملة لنيل الاستقلال عاملاً موحداً”. ولذلك ترفض المؤلفة “القول بأن السياسة الحزبية كانت إرثاً استعمارياً دون تسليط الضوء على عناصر النزاع الانقسامي التي كانت سلفاً مجسدة” في التركيبة البنيوية للدولة والمجتمع في السُّودان. والدليل على أن النزاعات الانقسامية اللاحقة التي أدت إلى انفصال جنوب السُّودان عام 2011م، والتشظي الذي أصاب الأحزاب السياسية التي تجاوز عددها ثلاثة وثمانين حزباً، فضلاً عن غياب الرؤية الاستراتيجية لحل مشكلات السُّودان الآنية. ولذلك أطلق التيجاني عبد القادر حامد على الثنائيات الماثلة الآن في الساحة السياسية، وتحديداً صراع اليسار (الشيوعيين) واليمين (الإخوان المسلمين)، بالثنائيات المدمرة.

أهمية الكتاب
تكمن أهمية دراسة عفاف عبد الماجد أبوحسبو في نسختها العربية في النقاط الآتية:
أولاً، إنها تقدم مقاربة تاريخية-تحليلية جيدة الصَنْعَة عن جذور النزاعات الانقسامية في وسط مكونات الحركة الوطنية، بحكم أنها نتاج واقعٍ اجتماعيٍ واقتصاديٍ وسياسيٍ وثقافيٍ محليٍ، فضلاً عن أنها خضعت لتوظيف المستعمر وخدمة مطامعه الإمبريالية. وفي ظل هذه الثنائيات المحلية المتشاكسة أوضحت المؤلفة أنَّ حكومة السُّودان كانت صاحبة سبق فيما يخدم أجندتها السياسية، كما ظهر ذلك في تشكيل وفد السودان إلى لندن عام 1919م؛ لتهنئة الملك جورج الخامس في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وفي إنشاء المجلس الاستشاري لشمال السُّودان عام 1944 لسحب البساط من تحت أرجل مؤتمر الخريجين بعد مذكرة عام 1942، وتعميق الصراع بين أطرافه المتنازعة. وداخل الثنائية المتصارعة نقرأ بين سطور الكتاب أنَّ السيد عبد الرحمن المهدي (ت. 1959) كان صاحب مبادرة سياسية، أو “براعة مناورة سياسية”، كما يرى حسن أحمد إبراهيم، في الحدود التي تسمح بها حكومة السُّودان؛ وذلك بخلاف غريمه السيد علي الميرغني (ت. 1969) الذي كان يتحرك برد الفعل، أو الغيرة السياسية تجاه الكسب السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي حققه زعيم الأنصار.

ثانياً، تشكل الدراسة أساساً متيناً للباحثين المهتمين بدراسة واقع الأحزاب السياسية في السُّودان، ومعرفة جذور النزاع القائم بينها الآن، والتي لا يرتكز معظمها على اختلافات أيديولوجية ومبادئ فكرية واضحة، بل مطامع شخصية، وصراعات جهوية وعرقية. ولذلك نجدها تقدم مصالحها القطاعية إلى حساب المصلحة العامة، الأمر الذي أفضى إلى غياب الرؤية الوطنية الجامعة التي يمكن أن تُؤسس على المشتركات الحزبية التي تخدم قضايا الوطن والمواطن.

ثالثاً، استندت الدراسة موضوع التقديم إلى كمٍ وافرٍ من المصادر الأولية، التي شملت الوثائق البريطانية، ومذكرات السُّودانيين والبريطانيين الذي عاصروا تلك الفترة، والمقابلات الشخصية التي أجرتها المؤلفة مع العديد من رموز الحركة الوطنية، أمثال الأساتذة: أحمد خير المحامي، والهادي أبو بكر اسحق، وعلي حامد، وعلي حسني، وحسن عوض الله، وإبراهيم يوسف سليمان، ومحمود الفضلي، ومكاوي سليمان أكرت، وبدوي مصطفى، وعبد الماجد أبوحسبو، وويليام لوس، المستشار القانوني للحاكم العام بين 1953-1956، والمشرف الفعلي على تسليم السُّلطة للسودانيين؛ فضلاً عن الدراسات السابقة ذات الصلة وبعض الصحف السيارة التي كانت تصدر في الخرطوم.
وفي الختام تبقي ليَّ كلمة أخيرة، مفادها الشكر والتقدير إلى الدكتورة عفاف عبد الماجد أبوحبسو التي شرفتني بالاطلاع على المسودة العربية لكتابها القيم والتقديم لها؛ والتهنئة الصادقة على ترجمة أصل الكتاب الإنجليزي إلى اللغة العربية؛ ليكون في متناول طيف واسع من القارئين والباحثين السُّودانيين، وكذلك إضافةً نوعيةً للمكتبة السُّودانية والعربية.

أحمد إبراهيم أبوشوك
الدوحة، 21 سبتمبر 2021

ahmedabushouk62@hotmail.com
///////////////////////



Supply hyperlink

Leave a Reply

Your email address will not be published.

close